مجموعة مؤلفين
177
أهل البيت في مصر
رفعهم إلى أعلى علّيّين ، وجعل أعداءهم في أسفل سافلين . وفي اعتقادي أنّ اللَّه تعالى لم يرد للإمام الحسين رضي الله عنه أن يكون والياً لأمور الدنيا ؛ لأنّه لو تولّاها لكان واحداً من الخلفاء الراشدين ، ولحكمة لا يعلمها إلّااللَّه ، اقتضت المشيئة الإلهية ألّا يتجاوز عهد الخلفاء الراشدين أكثر من ثلاثين عاماً « 1 » بعد الرسول صلى الله عليه وآله . فلو أصبح الإمام الحسين خليفةً لجاء في عهد غير عهده ، وأوان غير أوانه ، وكما قال الفرزدق الشاعر الكبير : القدر ينزل من السماء * واللَّه يفعل ما يشاء على أنّ ما صنعه الإمام الحسين كان له نور في الأرض وذخر في السماء ، فما زال يذكر رضي الله عنه بكلّ إجلال وإكرام ، بينما خصومه لا يذكرون إلّابالرجم والشتم واللعن . وقد أصاب من قال : لذكرك فينا يا حسين خلود * بقيت به حيّاً ومات يزيد نعم مات حتّى ضلّ في الأرض قبره * وليس له بين القبور وجود ومن رجمت ذكراه من بعد موته * هو الميّت لكنّ الحسين شهيد وقد يسأل القارئ عن الأمة الإسلامية بعد مقتل الحسين ، لماذا لم تغضب غضبتها ولم تثر ثورتها ؟ . وأقول : إنّ الأمة قد حزنت أشدّ الحزن لمّا أصاب الإمام الحسين ورفاقه ، ولكنّها إذ ذاك كانت ذاخرة بالعقلاء من الرجال ما بين صحابة وتابعين ، وهؤلاء رأوا أنّ الثورة آنذاك لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى ، فيسرعون بالتدخّل ، ويعملون بكلّ ما أُوتوا من قوة على وقف تقدّم الدعوة وانطلاقها لهداية المشرق والمغرب ،
--> ( 1 ) . وهي مدة حكم الخلفاء الراشدين الأربعة ، وكذلك الإمام الحسن . فقد بقي أبو بكر الصدّيق في الحكمسنتين وثلاثة شهور وعشرة أيام ، وبقي عمر عشر سنوات وستّة شهور وأربعة أيام ، وبقي عثمان إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وثمانية عشر يوماً ، وبقي عليأربع سنوات وتسعة شهور . أمّا الحسن بن علي فبقي ستة شهور فقط ، وهي المدة المكمّلة للثلاثين عاماً .